الشيخ عبد الغني النابلسي
54
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
اليوم الخامس [ الجمعة 21 جمادى الآخرة - 31 آذار / مارس ] ثم لما لاح الصباح وحانت أويقات الاصطباح ، وثبنا إلى ارتشاف كؤوس المسير ، وهاجتنا إلى السّفر حمائم الأشواق ذات الهدير ، وهو اليوم الخامس ، يوم الجمعة الشريف ، ولكن لا جمعة على المسافر لسقوط الحرج عنه في المشتى والمصيف ، فلم نزل سائرين في تلك الفيافي النّضرة ، والأراضي الخضرة حتى جئنا بالأشواق إلى جبّ / يوسف الزائد في الإشراق ، وشربنا من ماء ذلك البئر العذب الزلال ، وللّه درّ لسان البلاغة في ذلك حيث قال : [ جب يوسف ] أيا حسن ماء الجبّ أي جبّ يوسف * ويا طيبه في حلق قاصد إرواء حلا وهو عذب بارد فكأنّما * وقد حلّ قدما ، حسن يوسف في الماء وللّه درّنا حيث تسابقنا إلى شرب ذلك الماء ، وأدلينا في ذلك الجبّ الدلاء لأجل التبرّك والارتواء ، ونحن القائلون في ذلك الشّان ، والقائلون في ذلك المكان : وسيّارة جئنا إلى جبّ يوسف * وللزّهر حسن في جوانبه يسبي وواردنا أدلى به الدّلو يستقي * كأنّا حبسنا بعد يوسف في الجبّ وإن المرعى هناك لمرعىّ خصيب ، فنزلنا فيه مقدار ما تناولنا غداءنا وأخذنا من صلاة الظهر مع الجماعة بنصيب ، ورعت الدواب ما تيسّر لها من المرعى ، ونادى بنا لسان الحال استنّت الفصال حتى القرعى « 1 » ، وقلنا من النظام في ذلك المقام : يا سقى اللّه جبّ يوسف لمّا * قد أتيناه باشتياق وحبّ نحن من حسن يوسف في زهور * ومن النّبت في غيابة جبّ
--> ( 1 ) استنّت أي سمنت ، والفصال جمع فصيل وهو ولد الناقة ، والقرعى مرض يصيب الفصلان أو الفصال ، والمعنى سمنت جميع الفصال وفيها المريضة ، وهو مثل يضرب لمن تعدّى طوره وتجاوز حدوده . لسان العرب 8 / 263 « قرع » .